أبي الفرج الأصفهاني
46
الأغاني
أنّها ملَّته بعد ذلك ، فهربت منه ، فكانت تغنّي عند أقوام عرفتهم ببغداد ، وهي متستّرة متخفيّة ، فلمّا كان يوم من الأيّام اجتاز ابن أخ للمراكبي ببستان كانت فيه مع قوم تغنّي ، فسمع غناءها ، فعرفه ، فبعث إلى عمه من وقته ، وأقام هو بمكانه ، فلم يبرح حتى جاء عمّه ، فلبّبها [ 1 ] وأخذها ، فضربها مائة مقرعة ، وهي تصيح : يا هذا لم تقتلني ! أنا لست أصبر عليك ، أنا امرأة حرّة إن كنت مملوكة فبعني ، لست أصبر على الضّيقة ، / فلما كان من غد ندم على فعله ، وصار إليها فقبّل رأسها ورجلها ، ووهب لها عشرة آلاف درهم ، ثم بلغ محمّدا الأمين خبرها ، فأخذها منه ، قال : وكان خبرها سقط إلى محمد في حياة أبيه ، فطلبها منه ، فلم يجبه إلى ما سأل ، وقبل ذلك ما كان طلب منه خادما عنده ، فاضطغن لذلك عليه ، فلما ولي الخلافة جاء المراكبيّ ، ومحمد راكب ، ليقبّل يده ، فأمر بمنعه ودفعه ، ففعل ذلك الشّاكريّ ، فضربه المراكبيّ وقال له : أتمنعني من يد سيّدي أن أقبّلها ؟ فجاء الشّاكريّ لمّا نزل محمد فشكاه ، فدعا محمد بالمراكبيّ ، وأمر بضرب عنقه ، فسئل في أمره ، فأعفاه ، وحبسه ، وطالبه بخمسمائة ألف درهم مما اقتطعه من نفقات الكراع ، وبعث ، فأخذ عريب من منزله مع خدم كانوا له ، فلما قتل محمّد هربت إلى المراكبيّ ، فكانت عنده ، قال : وأنشدني بعض أصحابنا لحاتم بن عديّ الذي كانت عنده لمّا هربت إليه ، ثم ملَّته فهربت منه ، وهي أبيات عدّة ، هذان منها : ورشّوا على وجهي من الماء واندبوا قتيل عريب لا قتيل حروب فليتك إن عجّلتني فقتلتني تكونين من بعد الممات نصيبي / قال ابن المعتزّ : وأمّا رواية إسماعيل بن الحسين ، خال المعتصم فإنها تخالف هذا ، وذكر أنّها إنما هربت من دار مولاها المراكبيّ إلى محمد بن حامد الخاقانيّ المعروف بالخشن ، أحد قوّاد خراسان قال : وكان أشقر أصهب الشعر أزرق ، وفيه تقول عريب - ولها فيه هزج ورمل من روايتي الهشامي وأبي العباس - : بأبي كلّ أزرق أصهب اللون أشقر [ 2 ] جنّ قلبي به ول يس جنوني بمنكر تذكر ناسيا : قال ابن المعتزّ : وحدثني ابن المدبّر قال : خرجت مع المأمون إلى أرض الروم ، أطلب ما يطلبه الأحداث من الرزق ، فكنا نسير مع العسكر ، فلما خرجنا من الرّقّة رأينا جماعة من الحرم في العماريّات على الجمّازات [ 3 ] وكنّا رفقة ، وكنّا أترابا ، فقال لي أحدهم : على بعض هذه الجمّازات عريب ، فقلت : من يراهنني أمرّ في جنبات هذه العماريّات ، وأنشد أبيات عيسى ابن زينب ؟ . قاتل اللَّه عريبا فعلت فعلا عجيبا فراهتني بعضهم وعدّل الرّهنان [ 4 ] وسرت إلى جانبها فأنشدت الأبيات رافعا صوتي بها ، حتى أتممتها ، فإذا أنا
--> [ 1 ] لبّبها : أخذ بتلابيبها ، وهي مجتمع ثيابها عند العنق ، وفي مم : « فكببها » بدل « لببّها » . [ 2 ] ف : « بأبي كل أصهب أزرق العين أشقر « . [ 3 ] ف : « رأينا جماعة من الخدم معهم جماعة الحرام » . والعماريات : الهوادج ، والجمازات جمع جماز وتوصف بها النياق السريعة . [ 4 ] عدّل الرهنان : سوّى بين المبلغين اللذين تراهن عليهما المتراهنان .